الخميس، 20 يناير 2022

الساحرة ** الشاعر ٠٠ عبد الله سكرية

٠٠٠٠٠٠٠٠٠السّاحرةُ..
         _ يا سحرَها تلكَ اللّيالي العابقاتِ، بألفِ لونٍ واعدٍ! 
ها هي تئنُّ بثقلِ اسودادٍ طغَى على جَنَباتِها، حملتْه غيومٌ مثقلةٌ تنذرُ بشيءٍ ما، ورَافَقَها رياحٌ سريعةُ الخُطى، بَاردةٌ، جعَلَتِ الثقيلَ يتمايلُ ،والخفيفَ يتَطايرُ، وأوْجَستِ الكائناتِ والمخلوقاتِ خيفةً وحذَرًا، وراحتِ النّاسُ تتهيّأ لِما اعتادتْ عَلَيه  في مثلِ هذا الموسمِ الشتويِّ،  فالكلُّ يَتلطّى ويَستدفىءُ، وقربَ المدافىءِ  يروحُ يُقفقفُ، ثم إنّه يَتَدثّر بما هو صوفيُّ وسَميكٍ، ويَستسلمُ لأحلامٍ متى خَلَد إلى النّومِ، أو يهتمُّ لصقيعٍ  يرافقُه وقـتَ العملِ، مع انشغالٍ بصوتِ رعدٍ، أو لمْعةِ برْقٍ، يتبعُهُما زخٌّ هاطلٌ لا يَعي ولا يُفكّرُ.
    _ وفي هذا السّحرِ القاتمِ، يكونُ قد أسْكنَ في مخيّلتِهِ، ليالي الصّيفِ البارحةَ، فلا قمرَ، ولا سهرَ ، ولا لألأةٌ لأضواءِ الضّيعةِ بنجومِها، وشرُفاتِها ، ولا سبيلَ لأحدٍ، من شبابٍ وصبايا، أنْ يَختبىءَ في زاويةٍ ،أو يتّكىءَ على جدارٍ. وحدَها الذاكرةُ تنشطُ، ووحدَها الصّورُ تتَراءَى في منبسَطٍ من الخيالِ تُرفّهُ عن صاحبِها، وتُنسيه ما يحبُّ أنْ يَنسى. آهِ ما أجملَ ليالي الصّيفِ! وما أحلى ثمراتِه وألوانَه!
    _ وَلَها أنْ تَسترجِعَ معَ هذا كلِّه، ذلكَ الشُّحوبَ  يلفُّ الطّبيعةَ،  وقدِ استراحَ في كلِّ جَنَباتِها، فوقَ الجُدرانِ، وعلى الجبالِ، وفي السُّهولِ، وكأنَّه أحبَّ صُفرتَه، واسْتكانَ لِفَصلٍ جديدٍ ، أنذرَ ببرودةٍ وغيومٍ ،يرافقُها بينَ الحينِ والآخرِ مطرٌ يَقوى ويَخفُّ، وفي الحالَين هو زادُ الفلّاحِ، وغنوةُ أرضِه، ومرّةً أخرى تُنقذُ الأفكارُ صاحبَها، بعودةٍ إلى هذه الأشكالِ وألوانِها.
    _ وغدًا أغنيةٌ جديدةٌ ، ورقصاتٌ تؤدّيها جوقةٌ تحسَبُ لها الطّبيعةُ ألفَ حسابٍ، وتصفّقُ لها، ومعها، جاعلةً كلَّ ما فيها راقصاً أو مغنياً. 
     _ سلْ آنئذٍ الجبلَ والنهرَ كيفَ يَلتقيان! وسلْ في الشجرةِ زهرتَها وخُضرتَها ، وتمتّع ببياضِ الرُّبى والسُّهولِ! واتركْ للعصافيرِ أنْ تروحَ وتغدوَ، ولا تنْثَني  عن فرحٍ بتجدُّدِ الحياةِ وبهائِها.
_ فهلْ حقاً، إنّ في القُبْحِ جمالاً، وإن الضِّدّ يُظهرُ حُسنَه الضِّدُّ؟
    سَلوا ،في ذلك ،الطّبيعةَ، ودَوْرتَها، وفيها قالَ الشاعرُ:
  والشَّمسُ ما صَدَحتْ بالضّوءِ حانيةً   
  إلا وراحَ  ليلٌ ، قبلُ،  يَنهزمُ
  هيَ  المليكةُ، كي   نَشتاقَ   رُؤيتَها     
 أثارَ شوقاً لها دَيْجورُنا العِتمُ!..
عبد الله سكرية٠٠٠

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق