الثلاثاء، 18 يناير 2022

يجتاحك سيل ** الشاعر....عماد أحمد

.. يجتاحُكَ سيْلٌ من حنين إلى كلِّ ما مضى فلاتجدُ ما تلوذُ بهِ إلّا ما تجودُ بهِ ذاكرةٌ ما زالت زاخرةً بكلّ التفاصيل..
.. صدى الأيام ..

توالَتْ صروفُ الدهرِ فانتظمَتْ عِقْدا
وهدَّكَ سيْرٌ في متاهتِها هدَّا

تجرُّ بأَذيالِ الهزيمةِ خائِباً
وتقْفُو سراباً كنتَ تحسِبُهُ وِردا

فمِنْ أَيِّها تنجو إذا كنت ناجِياً
وهذا المَدى المفجوعُ أطبَقَها سَدّا

نضَتْكَ همومٌ واعتَرَتْكَ هواجِسٌ
دعَتْكَ بجوفِ الليلِ مُنْتَحِياً سُهْدا

سليلَ الأُلى مافارقَ النزْفَ جرحُهُم
ولا خيَّموا إلّا بباذِخَةٍ مَجْدا

مهِيبٌ بأَكنافِ العراقِ مقيلُهُ
على نحرهِ قد صاغَ أَوْجاعَهُ وَردا

كأَنَّهُمُ والنزفَ أبناءُ جِلْدَةٍ
برغمِ اهتِراءِ الجلدِ مابدَّلوا الجِلْدا

أَجِلّاءُ قدْرٍ أَنقياءُ سريرَةٍ
وإنْ أُثْخِنوا من وقْعِ مُرهَفَةٍ حَدّا

هُمُو الواهبونَ الروحَ لو ضَنَّ غيرُهُم
وهم أهلُ ذاكَ العهدِ مانقضوا العَهْدا

غِلاظٌ إذا ما سِيمَ خَسْفاً جنابُهُم
ونسلُ أُباةٍ مَيْلُ دهرٍ بهم أَوْدى

لهم رقَّةٌ في العشقِ أَندى من الندَى
ومن شَقْشَقاتِ الصبحِ همسُهُمُ أَنْدى

ثقيلٌ على روحي فراقي لمثْلِهِم
ولسْتُ بِراءٍ في مناقبِهِم نِدَّا

أَقِيلُوا عثاري لو عثَرْتُ وزلَّتي
فقد كانَ غيّاً ما توهَّمتَهُ رُشْدا

وقد كان وِزْراً أَنّني لستُ بينكم
أَعدُّ الليالي وهيَ تخنقُني عَدّا

تجشَّمْتُ وعْراً فاستطالَ بيَ الجَوى
وخضتُ مخاضاً لا أَرى خوضَهُ بُدَّا

أَخِلّاءَ هذي الروحِ مهْلاً فإنّما
ثقيلاتُ حملِ الظهرِ مرهِقَةٌ جِدَّا

فإنْ قصَمَتْ ظهْراً وأَوْهَتْ عزيمةً
فما ذلّلَتْ صعبَ المراسِ بها جَلْدا

تعَوَّدتَها ردّاً بما ملكَتْ يدي
وإنْ ملَكَتْ نَزْراً فقد أحسَنَتْ رَدَّا

أَلِفْتُ انزِوائِي والتجاعيدَ بعدكُم
وكفَّنْتُ حلْمي ثمَّ بوَّأْتَهُ اللِحدا

ورحْتُ ووحدي أَذْرعُ الأرضَ هائِماً
أَجرُّ بخطوي في مساربِها فرْدا

وتأْخُذُني في عالمِ الروحِ رهْبَةٌ
فأَسرارُها ما لا تُعارُ ولا تُهْدى

يجيشُ بها ما لا يجيشُ بغيرِها
وتغْلي وإنْ دِيفَتْ بصاقِعَةٍ بَرْدا

كأَنَّكَ سيفٌ أَثْلَمَ الغمدُ نصلَهُ
فكادَ لعزمٍ فيه أنْ يكسرَ الغِمْدا

كِلامُكَ والدمعُ الهَتونُ وخيبَةٌ
مناجلُ تفْري كلَّ يانِعَةٍ حَصْدا

فلولا جذورٌ راسِخاتٌ بطبعِهِ
تمُدُّ إلى نَسْغِ الحياةِ بها مَدّا

لكنتُ كعَصفٍ في مهَبِّ عواصفٍ
تذَرِّيهِ هوجاءٌ بقاصيَةٍ بُعدا

أَلا إنَّ موتاً لستَ فيه مُخَيَّراً
لَأَفْجعُ من موتٍ تخيَّرتَهُ عَمْدا

سلاماً لذيّاكَ المقامِ ورهطِهِ
فأَنعِمْ بهم شِيباً وأكرِمْ بهم وِلْدا

سلاماً وإنْ كانَ السلامُ مُخَضَّباً
ينِزُّ دماءً ما تكِلُّ وما تَهْدا

هرَعتُ إليكم لائِذاً بنوازعِي
فبعضي وكلِّي والنفيسُ لكم يُفْدى

نفضْتُ جِرابي من تفاصيل خيبتِي
فكم شتَّتْ شملاً وكم فتّتْ عضْدا

نفَثْتُ لكم وجداً أطاحَ بكاهلِي
وما حيلةُ الموجوع لو نادَمَ الوَجْدا

ولكنّهُ المقتولُ دونَ جريرةٍ
وحدُّ الهَوى أنْ لا نقيمَ لهُ الحَدّا

فيا أَيُّها الساري لذيّالكَ الحِمى
نشَدتُكَ لا تأْلُ لزورتِهِم جهْدا

ترجَّلْ وعرِّجْ بالدروب وبلِّغَنْ
سلاماً لمَنْ شاكَ الفؤادَ ومَنْ قَدَّا

فلو كنتُ في تلكَ الربوع لَأُرعِدَتْ
فرائِصُ هذا الصدرِ وانخَلَعَتْ سَردا

لأنّي بها الموجوعُ ليسَ لِعِلَّةٍ
ولكنْ لِأَترابٍ تعلَّقْتَهُم وِدَّا

فقدتُ بهم ما يفْقَأُ العينَ فقْدُهُ
وحَتْماً يعافُ السَعدَ مَنْ لازَمَ الفَقْدا

يطولُ عتابي من صروفٍ تتابعَتْ
وإنْ كانَ صمتي والعزوفُ بها أَجْدى

فمِن غيضِ هذا الفيض جادَتْ قريحتِي
فعذْراً إذا أَوْرَتْ بخامِدَةٍ زَنْدا

فما كنتُ إلّا مُسْتَفَزّاً تريقُهُ
دموعٌ تحيلُ القلبَ من حرِّها خَدَّا

عزائي بآمالٍ يلوحُ وميضُها
فقد أَبْرَقَتْ أُفْقاً وقد زمْجَرَتْ رَعدا

فما هيَ إلّا أنْ تنُثَّ فتَنْتَشي
أساريرُ نفسٍ فارقَتْ عيشَها رَغْدا

سأطوي ومن بعد المآبِ مواجعِي
وأرفدُ قلبي من محاسنهم رفْدا

فحمداً لمَن يجلو الشديدات حمدُهُ
فإنّي لَمِن قومٍ يزجّونَها حمْدا
.........................

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق