الخميس، 6 يناير 2022

موعد مع الشيح "" بقلم الأستاذ ** عبد الله سكرية

موعدٌ مع الشّيح"
     في أصيلِ ذلكَ اليومِ، كانَ لي مَوْعِدٌ مع "الشّيح" على هضبةٍ بينَ بلْدةِ الفاكهةِ، وأختِها بلدةِ العين، لبستُ ثيابي الرياضيّةَ، وتوجّهتُ بين البيوتِ قاطعًا منطقةَ "السّيْل"، مجتازًا طريقَ "العقَبة" المتعرِّج بين البّلانِ والشّيحِ البريِّ النابتِ بقوة هُنا وهناكَ، وارتقيتُ مع تعَبٍ بسيط ذلكَ الموقعَ، فبَدا ليَ السّهلُ بقُراهُ المتناثرةِ، وظهرَتْ أمامَ ناظريَّ العروسان عن يمينٍ، وعن شمالٍ، وكأنّهما ينتظران بَدْءَ الغروبِ ،ليخرجَ مَنْ يخرجُ إلى الطَّريقِ، حيث شمُّ النّسيمِ ،وحيث الهوى في التّلاقي ،وفي المرَحِ.
     كان عليّ أنْ أمْلأَ، ممّا جمَعْتُه من نَباتِ الشّيحِ العربيِّ ذي الرَّائحةِ الطيّبةِ، كيسًا كنتُ حمَلتُه معي، وكانَ عليَّ أنْ أفتّشَ عنْه في بُقعةٍ فسيحةٍ بينَ ما يَنبتُ في البريّةِ من أنواعٍ، ولا أُخفي ، أنّني كنتُ أغتبطُ حينما أمدُّ يَدي، وأغمرُ غُصَينا بأصابعي، وأشلِّعه ، وأضعُه بحذَرٍ في مكمنِه. ولا أُخفي أنّني، غالبًا، ما شعرتُ بقُشَعْريرة مِنْ دُوَيبَةٍ علِقتْ بيَدي، أو مِنْ ظنِّ ما، راوَدَني وهو أنْ يَلسَعَني عَقْربٌ، أو تُؤذيَني حَشَرةٌ !.
     غيْرَ أنني أكملُ ما بدأتُ به ؛  يأخذُني في ذلكَ ،أنّني الآنَ في علٍ، أراقبُ الفاكهةَ،  وقد قبَعَتْ بيوتُها متلاصقةً على مُنحَدَرين مُتقابلَين، وبدَتْ منْها ألوانُها مختلفةً؛  فيها ما هوَ مُنَسَّقٌ، ومنْها ما هوَ على فَوْضى وبُهتانٍ ،والنّاسُ والسّياراتُ في ذهابٍ وإياب. وحدَها المئذنةُ في الوسَطِ قد امْتَشَقَتْ بُعدًا واسِعًا من فضاءِ البلدةِ ؛ يقابلُها قُبّةُ الكنيسةِ من الجهةِ الشّماليّةِ، وهذان معْلمانِ خصّصا للفاكهةِ مَكانة مُتفردةً.
    وها هيَ بلدةُ العَيْن، المُمتدَّةُ على مساحةٍ وافرةِ في الشّرقِ من سهلِ البقاعِ، تستقبلُك في طرَفِها الشّماليِّ بحَرَكةٍ بطيئةٍ، وبيوتٍ متفرّقةٍ بُنيَتْ حديثًا لترتاحَ على الهضابِ بعيدًا عن الصَّخبِ والضّجيجِ اللّذَين اعتادتْ عليهما القريةُ، كلّما تعمّقتَ بين البيوتِ، وفي الأزقّةِ . 
    ولكنْ ، عليكَ وأنتَ تجتازُ الطريقَ الرئيسيةَ عائدًا الى بلدتِك الفاكهةِ، أنْ تلبّيَ دعواتٍ عديداتٍ، من أحبّةٍ وأصحابٍ ، لاحتساءِ قهوةٍ أو شايٍ، أو للجلوسِ في حديقةٍ طريّةٍ أمامَ منزلِ، لتشعرَ، وكأنّك بين أهلِك وإخوتِك.
    ولا أدرِي، وأنتَ فوقَ الهضَبةِ، مُطِلًّا على ما تَراهُ عيناك في كلِّ اتّجاهٍ، لمَ تكونُ النسمات أرقَّ ،والألوانُ أجملَ، والأصواتُ أحلى؟ فتشعرَ، وكأنّكَ في غُربةٍ لذيذةٍ  تعيشُ فيها معَ نفسِك!
    وحدَك هناك تخاطبُ الفضاءَ، والسماءَ ، وتَدوسُ على الحَصى، والتُّرابِ، وأنتَ مُنشرحٌ وَسَعيدٌ.
                                          عبد الله سكريّة.
والشُيحُ نبتةٌ بريّةٌ،  ذاتُ نكهةٍ طيّبة . ملعبُها الحقولُ.  وفي دراسةٍ عنها نشرتْها إحدى الصّحُف العربيّة ،  شدّني إليها أنّها تساعدُ مرضى الرّوماتيزم قي مكافحتِهم لهذا الدّاءِ . وأقولُ جازمًا أنّني جعلتُها رفيقتي .أُصبِحُ فتصبحُ معي ، ثمّ أُمسي فتكونُ في الكأسِ الذي أشربُ منه تلك المادةَ اللّاتينيةَ التي نسمّيها المتّة . إذ يكفي أن تضعَ في الكأس مع الماءِ السّاخن ما يساوي حجمَ حبّةِ الزّيتون لا أكثر . فكثيرها يؤذي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق