ما علمتني إياه نمله...
على عجلة من أمري، كنتُ أنتظر ما بين شرفة منزلي الأرضي وسيارتي، وأنا أهم بالمغادرة، حين وقع بصري على نملة.
نملة صغيرة، تكابد، تُصارع، وتحمل ما يفوق وزنها وحجمها عشرات المرات.
كان جحرها، وقريتها هناك تحت الأرض، بالقرب من "حيطان" منزلي.
وأنا، الذي طالما استوقفته مشاهد وأحداث تبدو للآخرين صغيرة، أو بلا معنى،
لكنها كانت تملأ عقلي وتحرك خيالي، وتفتح أمامي أبواب التساؤل والتحليل.
تساءلت: كيف تعيش هذه النملة؟ وكيف تتواصل مع رفيقاتها؟
كيف تنقل مؤونتها عبر ذلك الممر الضيق، وتصل بها إلى بيتها الأرضي؟
أعداد النمل كانت قليلة، مقارنة بمعدلاته في فصلي الربيع والصيف.
لكن هذه القلة لم تفقد نشاطها، ولم تنكسر أمام التحديات.
كان واضحًا أنها تستعد للشتاء والسيول القادمة، لكنها تعمل بتنظيم، وإصرار، وانضباط، كما لو أن كل شيء محسوب بدقة فائقة.
قررت مساعدتها، فتقدمت ببطء، مددت يدي، وحملتها إلى مدخل جحرها.
كانت متشبثة، صامدة، بفكيها الصغيرين، اللذين يفوقان فكي التمساح قوة بالنسبة لحجمها.
رحت أراقبها، أحلل، وأتساءل: كيف ستنجح في إدخال كل ما تحمله؟
كيف ستملأ خزائنها بما جمعته من فتات البشر؟
إحترت أمامها. المدخل ضيق، أصغر من أن تمر منه بسهولة.
ظللت معها، أبحث عن طريقة، أراجع نفسي، أحاول أن أجد السبيل،
إلى أن وقع المدخل، مبعثرًا بين يدي، وتحطمت محاولة مساعدتي.
حينها شعرت بالخجل. شعرت بالضعف أمام صمودها.
شعرت بأنني أتعلم درسًا أكبر من حجمي وقوتي.
النملة، على صغرها، تتفوق عليّ بقدرتها على الصبر، وتحمل المسؤولية، والتعاون.
تخيل لو كان الإنسان يمتلك جزءًا من هذه القوة والصبر،
لكان بإمكانه حمل أثقال هائلة، وإتمام الأعمال الكبيرة بسهولة،
لكن الإنسان غالبًا ينسى القيم، ويخسر أمام بساطة الصغائر.
تذكرت قول والدي:
"الداية لن تكون أحن من الأم على وليدها."
مهما عظمت جهود النملة، لا شيء يساوي حنان الأم، ولا حماية الأم لطفلها.
تذكرت أيضًا أن الإنسان، رغم تقدمه،
ملأ نفسه بالتخلف البيئي والصحي،
يسحق الأشجار، يقتل الحياة، ويخون الطفولة والأرض.
نحن نحطم البيوت، وننسى التاريخ، ونخون ضحايانا الصغار،
ونطلق على ذلك حضارة وتمدن.
واصلت مراقبتها. كل حركة لها تحمل درسًا:
الصبر، التنظيم، المثابرة، الانضباط، الوفاء بالواجب،
حتى لو كنت ضعيفًا، صغيرًا، غير مرئي.
وفي عمق هذا الدرس، وجدت الحياة.
ليست القوة في الحجم، ولا في السلطة،
ولا في المال، ولا في المكانة،
بل في التواضع، والعمل المستمر، والإخلاص، والإيمان بأن كل كائن له دوره، مهما كان صغيرًا.
تعلّمت من النملة:
أن أصغر الكائنات قد تكون أعظم معلم،
أن كل خطوة صعبة، كل وزن ثقيل، كل تحدٍ،
قد يُعلِّمنا عن الشجاعة، المسؤولية، والرحمة.
أن نتعاون، نبني، نحمي، وننقل الخير، حتى لو لم يُكافئنا أحد.
جلست أراقبها طويلاً، وأنا أتأمل الحياة من خلالها،
أدرك أن الإنسان غالبًا يتخبط، ويهدر طاقاته،
وينسى الانسجام مع الطبيعة، بينما أصغر المخلوقات تحكم عالمها بدقة.
هكذا علّمتني نملة صغيرة،
أن الحياة ليست بالضخامة، ولا بالقوة المادية،
بل بالذكاء، الانضباط، الصبر، والتعاون.
أن العظمة قد تكون في أصغر التفاصيل،
وأن الدروس الكبرى تأتي من حيث لا نتوقع.
حسين عبدالله جمعة
سعدنايل لبنان



















