رواية قصيرة جدًا
صخب الأكواب!
بقلم: مبارك إسماعيل ودحمد
1
مقهى عند حافة النهر
كان المقهى وحيدًا عند طرف المدينة، كأنه نبت هناك ليحرس النهر من النسيان. جدرانه شاحبة، لا من قِدم الطلاء، بل من فرط ما شهدته. كراسيه الخشبية متعبة، مثقلة بجلوسٍ لم يغادرها بعد: وجوه موتى، وأجساد تمزقت ملامحها في الماء، وحكايات دمٍ خُنقت في صدور العائدين بعد انسحاب الغزاة. حتى الملاعق في الأكواب كانت تطنّ، كذبذبات ذاكرة لم تهدأ. ونسائم النهر، ممزوجة بالهاموش، تبث كسلًا لذيذًا، كأن التعب صار هواءً يُستنشق. عدتُ بعد أن تهتُ طويلًا في أرصفة النزوح وبلاد اللجوء. تركتُ أسرتي بين يدي الرحمن ودعم المنظمات. كنت أخشى أن يعودوا معي؛ فالمدينة، وإن تحررت، لم تتحرر من أوجاعها ولا من براميلها المفخخة.!!
في الطاولة الأخيرة جلس رجل في أواخر العمر، نحيل، أمامه أوراق مبعثرة. كان يغرق في أسماء ووجوه صحبته: من قضى نحبه في هذه الحرب العبثية – كما سماها أحد قادتها – ومن نزح، ومن فرّ بجلده إلى بلاد لا تعرفه. يلاعب كوبًا فارغًا بين أصابعه، كأنه يسكب فيه ما لا يريد لأحد أن يراه. كل اسم يتذكره كان نفسًا انقطع ولم يكتمل.
في الخارج، بدا النهر كشيخٍ أنهكه البوح. الموج يتثاءب، والريح تمسح وجه الماء كيدٍ تحاول إنقاذ غريق. وحين يسكن الهواء، كان يسمع ضجيج الرفاق، صباحات القهوة، ضحكاتهم التي كانت تعلو على خرير النهر.
وفي صباح رمادي، دخلت المقهى امرأة غريبة. توقفت عند الباب لحظة، كمن يستعيد ذاكرة المكان، ثم مشت بخفة وجلست عند الطاولة التي تلامس الأفق. انعكس الضوء على شعرها بلون طمي الجروف، وكلما حرّكت يدها بدا النهار كأنه يتنفس من جديد. وحين ابتسمت، خُيِّل للنهر أنه تذكر لونه القديم، قبل أن تغطيه أجساد الموتى.
2
الضوء الذي تعثّر بين خصلات شعرها
لم تكن جميلة بمعايير الناس، لكنها أربكت الحواس. كان الهواء حولها مشبعًا بعطرٍ خفيف، والضوء يتعثّر على شفتيها كطفل يتعلم المشي. طلبت قهوة مرة، وقالت للنادل مبتسمة: «كالماء… يعبر الجسر المكسور ولا يعود».
راقبها الرجل من بعيد. كلما حرّكت الملعقة في فنجانها، أحسّ أن الموج يبطئ حركته ليستمع. كانت تحرّكها ببطء، كأنها توقظ صدى بعيدًا في ليل بلا اتجاه. وخُيِّل إليه أن صوتها يخرج من بين أصابعها، لا من فمها. لم تلتفت إليه، لكنها كانت تعلم أنه يراقبها. وعندما نهضت، ، مرّت بقربه وقالت دون أن تنظر: «النهر لا ينتظر أحدًا… لكنه أحيانًا يتذكر من غرقوا فيه». خرجت ببطء، تاركة خلفها شيئًا أثقل من الظل وأخف من الحنين. شعر أن ترتيب العالم انكسر، وأن اليوم لن ينتهي كما بدأ. سأل النادل: – من تكون؟ أجاب وهو يتابع خروجها: – زبونة قديمة.
3
أسماء في ذاكرة تالفة
مرت أيام لم تعد فيها. كان يأتي كل صباح، يجلس في مقعده، تحاصره ضوضاء رفاق لم يبقَ منهم سوى رائحة أسى قديم. كلما قلّب صفحات الذاكرة، اشتدت لوعته. كأن النهر لا يريد حفظ أسماء من عبروا جوفه. وفي مساء ممطر، وجد على طاولته فنجانًا نصف ممتلئ. رائحة عطرها واضحة. تحت الفنجان منديل كُتب عليه: «كان زوجي وحبيبي… أحد رفاقك. اللواء معتصم. آتي إلى هنا لأتشمم ما تبقى من ضحكاته». قرأ الكلمات مرارًا. شرب جرعة صغيرة، فشعر بتيار خفي يجذبه إلى أعماق لا اسم لها. منذ تلك الليلة، صار يسمع صداها داخله، كأنها تخاطبه من تحت الماء.
4
حين تمطّى النهر
تغير المقهى. الكراسي، الجدران، النوافذ. النادل صار يخاطبه بصيغة الماضي. في الموج كان يرى وجهها يطلّ ثم يذوب. أحيانًا يسمعها تقول: «لا تتركني نصف غياب». اختلط الليل بالنهار. أوراقه امتلأت بجمل لا يذكر متى كتبها. الكلمات تخرج من صدره كفقاعات هواء. عاد إليه شريط الهروب: القذائف، النزوح، مدني، كسلا، إثيوبيا، رواندا، معسكر اللاجئين، ثم الجامعة، فالمنفى المؤقت الذي سمّاه حياة.
وفي صباح باهت، اقتحمت المرأة المقهى. شعرها منكوش، وجهها مصفر. قبل أن تصل مقعدها، دخل شاب ورجل أربعيني. حاولت المقاومة، لكنهما قاداها بالقوة. قال النادل بهدوء: – ابنها وشقيقها…لقد تغيّرت كثيرا بعد مقتل زوجها. كتم صرخته. فمن الذي لم تغيّره هذه الحرب؟
5
وجه عاري
في اليوم التالي كان المقهى مغلقًا. وُجد دفتر على الطاولة الأخيرة. آخر صفحة: «للذكرى طعم السم في أفواه من بقوا». عند العصر، عاد المقهى للحياة. جلس في مقعده. شرب قهوته. غصّ بالدموع. وحين رفع رأسه، رأى النادل يشير نحوه، ورجلين يقتربان. – تفضل معنا. – من أنتما؟ لم يُجبا.
في السيارة، سألاه عن أوراقه. قرأ أحدهما البطاقة: «د. فيصل حيدر النزير – دكتوراه في الكيمياء». أراه هاتفه منشورًا عن المواد الكيميائية في الحرب. لم يكتبه، لكنه نُشر باسمه. عندها تذكر جلسة جمعته وبعض الشباب في معسكر اللاجئين، وسؤال بعضهم عن أخطر المواد الكيميائية تأثيرًا على الإنسان والبيئة، يبدو أن أحد الشباب من الحاضرين قد سجل كل ما كان في تلك الجلسة. ثم استدرك في صمته: «إذن هذا هو جرمه الذي بسببه يقودانه هذان الرجلان المجهولان!!؟»
توقفت العربة أمام مبنى ذو واجهة متفحمة، شديدة السواد كَلون حربهم المريعة. قبل أن ينزل الرجلان تناول كل منهما قناعًا واقيًا وأعطى أحدهما السائق أيضًا قناعًا ارتدى الجميع الأقنعة الواقية. أُخرجاني من السيارة، إلى داخل المبنى، ودفعاني بقوة إلى غرفة، وأنا عارِيَ الوجه، وانفاسي لاهثة، بلا قناع.
م. أ. ح
5/9/2025

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق